فخر الدين الرازي
202
تفسير الرازي
على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم والله أعلم . المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : * ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) * ( التوبة : 35 ) وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد . ثم قال تعالى : * ( وسيصلون سعيراً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم * ( وسيصلون ) * بضم الياء ، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : * ( الا من هو صال الجحيم ) * ( الصافات : 163 ) وقال : * ( أولى بها صليا ) * ( مريم : 70 ) وقال : * ( جهنم يصلونها ) * ( إبراهيم : 29 ، ص : 56 ، المجادلة : 8 ) قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار اصلاء . قال : * ( فسوف نصليه نارا ) * ( النساء : 30 ) وقال تعالى : * ( سأصليه سقر ) * ( المدثر : 26 ) قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( سيصلون ) * بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها . المسألة الثانية : السعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال : * ( سعيرا ) * لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى . المسألة الثالثة : روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : * ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) * ( البقرة : 220 ) ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : * ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) * والله أعلم .